بعض الاصدقاء يتسائلون عن حركة “السترات الصفراء” او “الصدريات الصفراء” بفرنسا.
سأعطي رأيي و بعض المعلومات عنها هنا.

اولا، الفرنسيون لا يسمونها “حركة” مثل ما سمى بعض المغاربة انتفاضة 20 فبراير ب “حركة” 20 فبراير. و قد قلت ابانها ان اسم “حركة” هو غير ملائم لأنه يقلل من أهمية الانتفاضة.
فالفرنسيون يسمونها ب “الظاهرة”، او يسمون اصحابها ب “الانتفاضيون”، او ب “الثوار”، او “الغاضبون” او فقط “السترات او الصدريات الصفراء”.

ثانيا، هؤلاء الثوار الغاضبون لم يأتوا من فراغ. لقد أتوا نتيجة اجتماع نفس العناصر التي توَلد اندلاع أي ثورة، و أساسها هو الاحتقان الاجتماعي و الغضب الشعبي اتجاه رئاسة الدولة و ليس اتجاه الحكومة.

ثالثا، هذه الظاهرة بدأت تتكون بالضبط (في نظري طبعا) حين خرج “إيمانويل ماكرون” محاطا بفلة من مؤيديه (يعني عياشة فرنسا) و من مساعديه المنتمين لحزبه “الجمهورية في مشي” (يعني خدام الدولة) و أظهر جليا انه ينحاز لفئة واحدة من الشعب الفرنسي دون اخرى. بل و احتقر معارضيه (و انا واحد من ملايين المعارضين له) و قال لنا قولته الشهيرة: “من لا يعجبهم الامر، فليأتوا ليبحثوا عني”.

و هي عبارة تعجرفية ظن خلالها انه محمي داخل قصر الإيليزيه و ان الدولة هي هو، و انه هو الدولة.

فما كان للمعارضين و للغاضبين الا أن قرروا أن يذهوا للبحث عنه داخل قصره تماما كما ذهب الفرنسيون في القرن الثامن عشر للبحث عن الملك داخل قصره و قطعوا له رأسه هو و زوجته “انطوانيت” نظرا لعجرفتهما و فسادهما المالي.

و قد انطلقت آنذاك هذه الحملة داخل فايسبوك تحت هاشتاق: #AllonsChercherMacron
فتأسست مجموعة اولى في فايسبوك كنت من ضمنها رغم ان صاحب الصفحة كان مجهولا، الا أنه التقط الفكرة بسرعة و انشأ الصفحة. لكن الصفحة و الهاشتاق انتشروا بسرعة جنونية، و صار الفرنسيون يطالبون بسقوط إيمانويل ماكرون، و صاروا يطالبون (مازحين طبعا) برأسه كما فعلوا مع ملك فرنسا سابقا.

و قد قرر الغاضبون انشاء خرجة “بيك نيك” امام قصر الايليزيه، يأتون خلالها بالنقانق و “المرگاز” و المشروبات (و للإشارة هو نفس مطلب الائتلاف من أجل التنديد بالدكتاتورية في المغرب سنة 2012 امام قصر الدكتاتور محمد السادس بقرية بيتز الفرنسية) للاحتفال و المطالبة رمزيا برأس ماكرون، و الإتيان بمقصات (Guillotine) من خشب او ورق لتذكير ماكرون أن الشعب الفرنسي قادر على أن يأتي للبحث عنه داخل قصره و محاسبته.

و سرعان ما تحولت هذه المجموعة الفايسبوكية الى “إئتلاف” لتنظيم الوقفة.

لكن اتضح ان الأمر كان مخترقا من طرف الأجهزة الفرنسية. و امام هول انتشار الفكرة، حاول المندسون ابعاد مكان الوقفة من امام قصر الايليزيه الى ساحة اخرى بباريس (هي نفس الساحة التي تدَخل فيها صديق ماكرون “بنألله” ليضرب المتظاهرين و هو يضع شارة الشرطة على يده من غير حق)

و فعلا، خرج اول الغاضبون منا، و كان عددهم لا يتجاوز 300 غاضب، وأقاموا حفلات بإحدى الساحات الباريسية (لم أحضر اليها لأني كنت بعيدا و خصوصا منهمكا في أمور شخصية).

لم يمنع ماكرون تلك الوقفة لأن نظامه الخبيث كان يريد ان يعرف من وراء الظاهرة و جس نبضهم، لأن كثير من الفاعلين على فايسبوك كانوا يتحركون بيننا بأسماء مستعارة (انا كنت من الذين يطالبون برأس ماكرون دون اخفاء هويتنا)
و منذ ذلك الوقت، تكاثرت المجموعات على فايسبوك و التي تطالب بالاطاحة بماكرون (و ليس بالحكومة) و تجاوز الامر اي مندس او عملية اختراق ليس فقط لكثرة المجموعات، بل لأن قوات الامن و اعضاء المخابرات الفرنسية هم ايضا ضاقوا صدرا من عجرفة و فشل رئيس الدولة إيمانويل ماكرون.

لذلك، فإن ظاهرة الصدريات الصفراء هي استمرارية لنفس الظاهرة، و التي اججتها اليوم الزيادات المرتقبة في المحروقات، ثم تدهور المرافق و الخدمات العمومية، ثم ضبابية مصير صناديق التقاعد و الضمان الاجتماعي، ثم السيطرة على جل وسائل الاعلام مع اخفاء و لجم الاصوات المعارضة. فكانت النتيجة هي خروج الفرنسيين، مرفوقين بعدد من رجالات و نساء شرطتهم و جيشهم و مخابراتهم، قاصدين شارع الإيليزيه، محاولين الوصول لقصر الإليزيه، للبحث عن من قال لهم و هو يحتقرهم “تعالوا، ابحثوا عني”.

مصطفى أديب،
مناخ-واقعي، و هو شيئ يكرهه ماكرون،
حاصل على الجائزة الدولية للشفافية و النزاهة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *